الارشيف / أخبار العالم

التقشّف .. تاريخ فكرةٍ خطرةٍ تمثّل إحدى أدوات الرأسماليّة

شكرا لقرائتكم التقشّف .. تاريخ فكرةٍ خطرةٍ تمثّل إحدى أدوات الرأسماليّة

موسوعة بصراوي الاخبارية كتبت اسراء خليل في مارس عام 2020، حينما كانت الجائحة في مهدها، وقف "أندرو كومو" حاكم نيويورك في إفادة صحفية يتحدث عن اقتطاع نحو 400 مليون دولار من الإنفاق الصحي لضبط موازنة ولايته رغم مؤشرات لا تخطئها العين على أزمة تخص القطاع بالولاية.

 

"لا نستطيع أن نواصل الإنفاق، لا يوجد لدينا موارد"، تلك الكلمات التي نطق بها أحد أهم رجال الساسة في الولاية الأمريكية قوبلت بحالة من الصدمة في الأوساط الشعبية، ولكن خطة كومو لم تكن لذلك العام فقط ولكنها كانت بداية لخفض الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم حتى الآن".

 

في أكتوبر عام 2019، خرجت مظاهرات صاخبة في العاصمة الشيلية سانتياغو وذلك بعد زيادة حكومية في أسعار المواصلات العامة احتجاجا على تردي الأوضاع المعيشية لملايين الشيليين وهو الأمر الذي لم يجعل السلطات تعدل عن قرارها، فقد كانت تلك الخطوة بمثابة ما تعتقد أنه الخلاص لحل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد.

 

في يوليو عام 2015، صوت نحو 61% من الشعب اليوناني ضد حزمة إنقاذ من صندوق النقد الدولي تتضمن إلزام السلطات بخفض الإنفاق الحكومي، ولكن هذا لم يثنِ الحكومة عن الموافقة على حزمة الإنقاذ التي استمرت نحو 3 سنوات واتخذت قرارات صعبة لخفض الأجور والمعاشات وزيادة أسعار الخدمات.

 

إن كل ما سبق ما هو إلا غيض من فيض من قرارات التقشف التي اتخذتها بعض الحكومات حول العالم والذي يعتبر أكثر الإجراءات الاقتصادية صعوبة في القرن العشرين، مما يجعل هناك حاجة إلى معرفة المزيد عن هذا الإجراء –التقشف-وتاريخ نشأته من خلال قراءة مستفيضة لبعض أهم الكتب التي سلطت الضوء عليه.

 

 

النشأة والخطوات الأولى

 

يستعرض كتاب "النظام الرأسمالي... The Capital Order"  لمؤلفته "كلارا ماتيه" كيف بدأت الحكومات في تطبيق التقشف على نطاق واسع بعد الحرب العالمية الثانية كخطوة علاجية لبعض الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي مرت بها البلدان في أعقاب الحرب.

 

يبرز اتجاهان مختلفان في مسألة توقيت التقشف، الاتجاه الأول وهو اتجاه يتبناه صندوق النقد الدولي والذي يرى ضرورة فرض إجراءات التقشف في أوقات الأزمات الاقتصادية من خلال إزاحة عبء التمويل من الحكومات عن كاهلها.

 

وعادة ما يرى الصندوق أن تلك الإجراءات ينبغي اتخاذها في أوقات الركود الاقتصادي أو ارتفاع نسبة الدين العام إلى حدود خطرة، أو ارتفاع عجز الموازنة العامة أو التعثر عن سداد الديون وهو التوجه الأكبر للتقشف حتى يومنا هذا.

 

فيما يبرز الكتاب أيضا الاتجاه الآخر للتقشف والذي تبناه "جون مينارد كينز" مؤسس النظرية الكنزية والذي يرى أن تقشف المالية العامة ينبغي أن يحدث في أوقات توسع الاقتصاد وليس انكماشه، بل إن العلاج الأمثل للركود بالنسبة له يتثمل في زيادة الإنفاق الحكومي.

 

ويستعرض الكتاب المقارنة بين النماذج المختلفة للتقشف، ففي حالة الركود الاقتصادي والتي لا يكون الأفراد خلالها قادرين على تحمل تداعيات التقشف الاقتصادي، نتيجة لرفع معدلات التضخم، والبطالة، وانخفاض الأجور.

 

من ناحية أخرى يقود التقشف إلى تخفيض الإنفاق الحكومي وتخفيض استهلاك الأسر مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، واتجاه الأفراد إلى محاولة الادخار.

 

أما النموذج الكينزي للتقشف فيرى أنه سيجدي نفعا في حالات الطفرات الاقتصادية، حيث يكون لدى الأفراد القدرة على تحمل دفع حجم أكبر من الضرائب وتحمل تخفيض الدعم -بسبب أن الأجور مرتفعة- وهنا سوف يقود التقشف إلى تحقيق وفورات بالمالية العامة.

 

 

التقشف بين الفقراء والأغنياء

 

في كتابه الشهير "التقشف...تاريخ فكرة خطرة"، يستعرض "مارك بليث" كيف باءت عديد من نماذج التقشف حول العالم بالفشل وكيف كُتب لعدد قليل من التجارب النجاح في وقت كان فيه التقشف أحد أهم أسلحة البقاء للنظام الرأسمالي.

 

ويؤكد بليث في كتابه على أن الطبقات الدنيا من الهرم البشري لتوزيع الدخول هي الأكثر عرضة لتبعات إجراءات التقشف، فالطبقات في أعلى الهرم أقل اعتمادا على الخدمات الحكومية كالتعليم والصحة، فيما يعاني أصحاب الدخول المتدنية من الأضرار ما يغذي شعورا بالسخط بين طبقات المجتمع.

 

ويدلل "بليث" على الأمر بالتجربة اليابانية في ثلاثينيات القرن الماضي حينما عانى الاقتصاد من أسوأ ركود في تاريخه بسبب سياسات التقشف ما أثار حملة من الغضب الشعبي العارم وحملة اغتيالات ضد الطبقات الغنية.

 

ويستعرض الكتاب تبعات سياسة التقشف على بعض بلدان أوروبا في مطلع الألفية الجديدة حيث دفعت تلك السياسات إسبانيا واليونان إلى حافة الانهيار الاقتصادي والسياسي وافقار الملايين من الناس في بقية أنحاء أوروبا الجنوبية.

 

ويستنتج الكتاب أن التقشف ما هو إلا فاتورة تسددها الطبقة الفقيرة، فالأزمات الاقتصادية والمالية دائما ما يقف خلفها قصور في التشريعات والأنظمة القانونية، وفشل المخططين والمسئولين في قمة الهرم البشري ما يعد دليلا دامغا آخر على قسوة النظام الرأسمالي.

 

المصادر: كتاب "النظام الرأسمالي ...The Capital Order"-"التقشف...تاريخ فكرة خطرة Austerity: The History of A Dangerous Idea

شكرا لقرائتكم التقشّف .. تاريخ فكرةٍ خطرةٍ تمثّل إحدى أدوات الرأسماليّة انتهى الخبر

شكرا على زيارتك ارتس اخبار الفن
ارقام

قد تقرأ أيضا